موقع العقيدة العلوية النصيرية
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


من وإلى كل العلويين ...علماؤنا وأعلامنا الأفاضل...تعريفٌ بطائفتنا العلوية الكريمة...وردٌّ عل المرتدين
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حذيفة بن اليمان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
المدير العام
المدير العام
avatar

تاريخ التسجيل : 04/04/2010
العمر : 22
تاريخ الميلاد : 10/12/1994
الجنس : ذكر عدد المساهمات : 565
نقاط : 1590
السٌّمعَة : 18
الهوايات : المطالعة عبر الأنترنت
الدولة : سوريا

مُساهمةموضوع: حذيفة بن اليمان   الجمعة مايو 28, 2010 11:15 pm

حذَيفَة بنُ اليَمان


مَن هو حذيفة ؟
حُذَيفة بن اليَمان العَبْسيّ، من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله، أحد الأركان، سكَنَ الكوفة وتُوفّي في المدائن. قُتل أبوه في معركة « أُحد ».. قتله المسلمون خطأً يحسبونه من العدوّ، وحذيفة يصيح بهم فلم يفقهوا قوله حتّى قُتل، فلمّا رأى حذيفة أنّ أباه قد قُتل استغفر للمسلمين قائلاً: يغفر اللهُ لكم وهو أرحم الراحمين، فبلغ ذلك رسولَ الله صلّى الله عليه وآله فزاده عنده خيراً، وحُكي أنّ له درجةَ العلم بالسُّنّة (1).
كان حُذَيفة والياً على المدائن في أيّام عثمان، فلمّا قُتل عثمان أقرّه أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام على عمله وكتب عهدَه إليه وإلى أهل المدائن، وكان فيما كتبه إليهم: قد وَلّيتُ أمورَكم حذيفةَ بن اليمان، وهو ممّن أرتضي بِهُداه وأرجو صلاحه، وقد أمرتُه بالإحسان إلى محسنكم والشدّة على مُريبكم والرِّفق بجميعكم، أسأل اللهَ تعالى لنا ولكم حُسنَ الخِيرة والإحسان ورحمتَه الواسعة في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (2).


أخلاقه
تمتّع الصحابي حُذَيفة بن اليَمان بروحيّة عالية، وأخلاقٍ سامية.. حتّى وجدناه يدعو لقتَلَة أبيه خطأً بالمغفرة، ولم يضمر في قلبه شيئاً من الحقد أو الثأر الجاهلي في قلبه قطّ.
وأمّا مع أمّه.. فيكفي ما رواه حذيفة نفسه، قال: سألَتني أمّي: متى عهدُك بالنبيّ ؟ فقلت لها: منذ كذا وكذا. فنالت منّي وسبّتني، فقلت لها: دَعيني؛ فإنّي آتي النبيّ صلّى الله عليه وآله فأصلّي معه المغرب، ثمّ لا أدَعُه حتّى يستغفر لي ولكِ.
قال: فأتيتُ النبيَّ صلّى الله عليه وآله العشاء ثمّ انفتل فتَبِعتُه، فعرض له عارض فناجاه ثمّ ذهب، فاتّبعته، فسمع صوتي فقال: مَن هذا ؟! فقلت: حذيفة، قال: ما لك ؟! فحدّثتُه بالأمر فقال: غفر اللهُ لك ولأُمّك (3).
وكان من أخلاق حُذَيفة: النصيحة الصادقة الواضحة لجميع المسلمين، فقد حرص على تبيين الحقائق لهم جليّةً ناصعة؛ لكي لا يتوهّموا فيَضِلّوا ويُضِلّوا، وكان حذيفة حكى لفتىً من الأعاجم شيئاً عن المنافقين، فصار ذلك الفتى من المخلصين لأمير المؤمنين عليه السّلام، حتّى لَحِق به فاستُشهِد معه في معركة الجمل بعد أن أخذ المصحفَ ودعا القوم إليه، فقُطِعتْ يداه رضوان الله عليه (4).


علمه
إنّ صحبة النبي صلّى الله عليه وآله لم تنفع من الصحابة إلاّ من صدّق وسلّم، ووالى بقلبه وروحه، وصدق بإيمانه. وكان من هؤلاء: حُذَيفة بن اليمان، فوُفّق لأخذ المعارف العالية عن منبعِها الإلهيّ.. فحُكي أنْ كان له درجةُ العلم بالسُّنّة، وجاء عن السيّد محمّد مهدي بحر العلوم قوله: إنّه يُستفاد من بعض الأخبار أنّ لحذيفة درجةَ العلم بالكتاب أيضاً (5).
وكان حذيفة رجلاً سَؤولاً باحثاً عن الحقائق العميقة، منتفعاً بها في حياته ومواقفه.. روى خالد بن خالد اليشكري قال: خرجتُ سنة فتح « تُسْتَر » حتّى قَدِمتُ الكوفة فدخلتُ المسجد.. فإذا أنا بحلقةٍ فيها رجل جَهْمٌ من الرجال، فقلت: مَن هذا ؟! فقال القوم: أما تعرفه ؟! فقلت: لا، فقالوا: هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله.
قال: فقعدتُ إليه، فحدّثَ القومَ فقال: إنّ الناس كانوا يسألون رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشرّ. فأنكر ذلك القومُ عليه، فقال: سأُحدّثكم بما أنكرتُم، إنّه جاء أمر الإسلام فجاء أمر ليس كأمر الجاهلية، وكنتُ أُعطِيتُ من القرآن فقهاً، وكانوا يجيئون فيسألون النبيَّ صلّى الله عليه وآله، فقلت أنا: يا رسولَ الله، أيكون هذا الخير شرّاً ؟! ( وفي رواية: أيكون بعد هذا الخير شرّ ؟! )، قال: نعم، قلت: فما العصمة منه ؟ قال: السيف، قلت: وما بعد السيف بقية ( تقيّة ـ في نسخة أخرى ) ؟ قال: نعم، يكون إمارة على أقذاء، وهِدنة على دَخَن، قلت: ثمّ ماذا ؟ قال: ثمّ تفشو دعاة الضلالة ( رعاة الضلاة ـ في نسخة أخرى )، فإنْ رأيتَ يومئذٍ خليفةَ عدلٍ فالزَمْه، وإلاّ فمُتْ عاضّاً على جِذْلِ شجرة (6).
قال المجلسيّ في بيان ذلك: يُقال رجلٌ جَهْمُ الوجه: أي كالحُه. وقال الجزري في ( النهاية ) في الحديث: هِدنة على دَخَن، وجماعة على أقذاء.. دَخَنت النار إذا أُلقيَ عليها حطب رطب فكثر دخانها، أي على فسادٍ واختلاف، تشبيهاً بدخان الحطب والرطب؛ لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر. وجاء تفسيره للحديث أنّه: لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه، أي لا يصفو بعضها لبعض، ولا ينصع حبّها كالكدورة التي في لون الدابّة. والأقذاء جمع قَذى، وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تُرابٍ أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.. (7)
وفي بيان آخر للشيخ المجلسي: وفي بعض الروايات: قلت: يا رسول الله، الهدنة على الدَّخَن ما هي ؟ قال: لا يرجع قلوب أقوامٍ على الذي كانت عليه. ويُروى « جماعة على أقذاء » يقول: يكون اجتماعهم على فسادٍ من القلوب، شبّهه بأقذاء العين.
وأقول: رواه ( ابن الأثير ) في ( جامع الأصول 414:10 ـ 417 ) بأسانيد عن: البخاري ومسلم وأبي داود. وفي بعض رواياته: « وهل للسيف من تقيّة ؟! »، وفي بعضها: « قلت: وبعد السيف ؟ قال: تقيّة على أقذاء، وهدنة على دخن ». وفي شرح السُّنّة: أي هل بعد السيف شيء يُتّقى به من الفتنة، أو يُتّقى ويُشفَق به على النفس ؟ وجِذْل الشجرة أصلها، والمعنى: مُتْ معتزلاً عن الخَلْق حتّى تموت ولو احتَجْتَ إلى أن تأكل أُصول الأشجار، ويُحتمَل أن يكون كنايةً عن شدّة الغيظ (8).
ولعلّ سائلاً يقول: لماذا يفتّش حُذَيفة عن غوامض المستقبل وخوافيه ؟ دعونا نسمع من حذيفة نفسه جواب ذلك، حيث يقول: إنّه كان أصحابُ رسول الله صلّى الله عليه وآله يسألونه عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشرّ مخافةَ أن أقعَ فيه!
ويقول حذيفة أيضاً: لو كنتُ على شاطئ نهرٍ وقد مَدَدتُ يدي لأغتراف، فحدّثتكم بكلّ ما أعلم، فما وَصلَت يدي إلى فمي حتّى أُقتل! (9)
إذن.. أحسّ حذيفة أنّ عواصفَ عاتية ستُقبل كقِطَع الليل المظلم، فلابدّ أن يعرف من أين تنبعث، وكيف النجاة منها، وبماذا يكون الاعتصام ؟ ولابدّ أن يُميّز أهلَ الحقّ عن أهل الباطل، ليعرف مَن يُوالي، ومَن يعادي ويتبرّأ منهم ؟ ولذا وقف على البيّنة، ولم يسقط في الفتنة! ولازم الحقّ وصبر وثبت ونصح.
عن أبي أُمامة قال: كتب أبو ذرّ الغفاري إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يشكو إليه ما صنع به ( فلان ): بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعدُ يا أخي، فَخَفِ اللهَ مَخافةً يكثر منها بكاءُ عينَيك، وحَرِّرْ قلبك، وسَهِّرْ ليلك، وأنصِبْ بدنك في طاعة ربّك، فحقّ لمَن علم أنّ النار مثوى مَن سَخِط اللهُ عليه أن يطول بكاؤُه ونَصَبُه وسَهَرُ ليله حتّى يعلم أنْ قد رضيَ اللهُ عنه، وحقّ لمَن علم أنّ الجنّة مثوى مَن رضيَ الله عنه أن يستقبل الحقَّ كي يفوز بها، ويستصغرَ في ذاتِ الله الخروجَ مِن أهله وماله، وقيامَ ليله وصيام نهاره، وجهادَ الظالمين الملحدين بيده ولسانه حتّى يعلمَ أنّ الله أوجَبَها له، وليس بعالِمٍ ذلك دون لقاء ربّه، وكذلك ينبغي لكلّ مَن رغب في جوار الله ومرافقة أنبيائه أن يكون. يا أخي، أنت ممّن أستريح إلى التصريح إليه بَثّي وحُزني، وأشكو إليه تَظاهُر الظالمين علَيّ. إنّي رأيتُ الجور يُعمَل به بعيني وسمعتُه يُقال فرَدَدتُه، فحُرِمتُ العطاء، وسُيِّرتُ إلى البلاد، وغُرِّبتُ عن العشيرة والإخوان وحَرَمِ الرسول صلّى الله عليه وآله، وأعوذ بربيَّ العظيم يكون هذا أن منّي له شكوى أن ركب منّي ما ركب، بل أنبأتك أنّي قد رضيتُ ما أَحبَّ ربّي وقَضاه علَيّ، وأفضيتُ ذلك إليك لتدعوَ اللهَ لي ولعامّة المسلمين بالرَّوح والفَرَج، وبما هو أعمُّ نفعاً وخيرٌ مَغبّةً وعُقبى، والسلام.
فكتب إليه حُذَيفة: بسم الله الرحمن الرحيم، فقد بلغني كتابك تُخوّفُني به وتحذّرني فيه مُنقَلَبي، وتَحُثّني فيه على حظّ نفسي، فقديماً يا أخي كنتَ بي وبالمؤمنين حفيّاً لطيفاً، وعليهم حَدِباً شفيقاً، ولهم بالمعروف آمِراً وعن المنكر ناهياً، وليس يهدي إلى رضوان الله إلاّ هو، لا إله إلاّ هو، ولا يُتناهى مِن سخطه إلاّ بفضل رحمته وعظيم مَنّه، فنسأل الله ربَّنا لأنفسِنا وخاصّتِنا وعامّتنا وجماعةِ أُمّتنا مغفرةً عامّة ورحمةً واسعة، وقد فهمتُ ما ذكرتَ من تسييرك يا أخي وتغريبك وتطريدك، فعَزّ ـ واللهِ ـ علَيّ يا أخي ما وصل إليك من مكروه، ولو كان يُفتدى ذلك بمالٍ لأعطيتُ فيه مالي طيّبةً بذلك نفسي، يصرف اللهُ عنك بذلك المكروه...
إلى أن قال: فكأنّي وإيّاك قد دُعينا فأجَبْنا، وعُرِضْنا على أعمالنا فاحتَجْنا إلى ما أسلَفْنا. يا أخي ولا تأسَ على ما فاتك ولا تَحزَنْ على ما أصابك واحتَسِبْ فيه الخير، وارتَقِبْ فيه من الله أسنى الثواب. يا أخي لا أرى الموت لي ولك إلاّ خيراً من البقاء، فإنّه قد أظَلَّتْنا فِتنٌ يتلو بعضُها بعضاً كقِطَع الليل المظلم، قد ابتُعِثتْ من مركبها، ووُطئت في حطامها، تُشهَر فيها السيوف، وينزل فيها الحتوف، يُقتَل فيها مَن اطّلع لها والتَبَس بها وركض فيها، ولا تبقى قبيلة من قبائل العرب من الوبر والمدر إلاّ دخلت عليهم، فأعزُّ أهل ذلك الزمان أشدُّهم عُتوّاً، وأذلُّهم أتقاهم، فأعادنا اللهُ تعالى وإيّاك من زمانٍ هذه حال أهله فيه، فلن أدَعَ الدعاء لك في القيام والقعود والليل والنهار، وقد قال الله سبحانه ـ ولا خُلْفَ لموعوده ـ: ادعُوني أستَجِبْ لكُم إنّ الذينَ يَستَكبرونَ عن عِبادَتي سَيَدخُلونَ جَهنّمَ داخِرين ، فنستجير بالله من التكبّر عن عبادته، والاستنكافِ عن طاعته، جعَلَ اللهُ لنا ولك فَرَجاً ومَخرجاً عاجلاً برحمته، والسلام عليك (10).
وهكذا جمع حذيفة إلى المعارف التي دوّنها في رسالته، مواساةً أخويّة كانت سلوى وعزاءً لأبي ذرّ الغفاريّ إذ كان يعيش محنته في تلك الغربة، فجاءت رسالة حذيفة كالماء البارد على صدر الظمآن، ولا ندري كم أدخلت من السرور على قلب أبي ذرّ وهو يقرأ كلمات حذيفة التي كانت تطفح على رسالته معاني الإيمان والأخلاق والروح الأخوية العميقة في مشاطرته مآسيه رضوان الله تعالى عليهما.. وقد يحبّ المرءُ أن يسمع ما يعلمه أو يقرأ ذلك من خطّ أخيه المؤمن، فيكون ذلك بلسماً لجراحه، ورواءً لغليله.
وكان حذيفة ناصحاً صادقاً، للقريب والبعيد، مُفصحاً عن الحقّ ومبيّناً للحقائق، وكان نفّاعاً في كلامه يُدلي به عن قلب مخلص محبٍّ للخير.. عن الثُّمالي قال: دعا حذيفةُ ابن اليمان ابنَه عند موته فأوصى إليه وقال: يا بُنيّ، أظْهِرِ اليأس عمّا في أيدي الناس؛ فإنّ فيه الغنى، وإيّاك وطلَبَ الحاجاتِ إلى الناس؛ فإنّه فَقرٌ حاضر، وكُن اليومَ خيراً منك أمس، وإذا أنت صلّيتَ فصَلِّ صلاةَ مُودِّعٍ للدنيا كأنّك لا تَرجِع، وإيّاك وما يُعتَذَر منه (11).
كلمات مستفادة من أحاديث النبيّ المصطفى والوصيّ المرتضى صلوات الله عليهما وآلهما، تَرشّحَت من قلب حُذَيفة بعد أن انتفع من صحبته لهما وولايته إيّاهما، فأخذ مستفيداً ومُفيداً رضوان الله عليه.


ولايته
أمّا ولاية حُذَيفة بن اليمان لمحمّدٍ وآل محمّد صلوات الله عليه وعليهم فهي جليّة واضحة في جانبيها: التولّي لهم، والبراءة من أعدائهم. وقد كان هذا الصحابيّ موفّقاً في تلقّي المعارف العالية والمعاني الخاصّة عن البيت النبويّ الشريف؛ لِما كان فيه من الإيمان الصادق والتقوى العميقة، والتسليم للرسول وللرسالة، والتصديق والأخذ الصادق، والمحبّة والولاء لآل البيت الميامين صلوات الله عليهم أجمعين، والتقديس والإجلال والأدب الرفيع لأهل بيت الوحي..
عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام قال: لقيَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله حُذَيفةَ فمدّ النبيُّ صلّى الله عليه وآله يدَه، فكَفَّ حُذيفة يدَه، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: يا حذيفة، بَسَطتُ يدي إليك فكَفَفتَ يدَك عنّي ؟! فقال حذيفة: يا رسول الله، بيدك الرغبة؛ ولكنّي كنتُ جُنُباً فلم أُحبَّ أن تَمسَّ يدي يدك وأنا جُنُب، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: أما تعلم أنّ المسلمَينِ إذا التَقَيا فتَصافَحا تَحاتّتْ ذنوبُهما كما يَتحاتُّ ورقُ الشجر ؟ (12)
وكان حذيفة ممّن يحرسون النبيَّ صلّى الله عليه وآله، فلمّا نزل قولُه تعالى: واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ الناس قال صلّى الله عليه وآله لحرّاسه: إلحَقوا بمَلاحِقكم؛ فإنّ الله عَصَمني من الناس (13).
وقد شارك حذيفة في الجهاد بين يدَي رسول الله صلّى الله عليه وآله وأبلى وعانى، فروى يوماً قائلاً: واللهِ لقد رأينا يوم الخندق ( غزوة الأحزاب ) وبنا مِن الجَهد والجُوع والخوف ما لا يعلمه إلاّ الله، وقام رسول الله صلّى الله عليه وآله فصلّى ما شاء الله من الليل ثمّ قال: ألا رجلٌ يأتينا بخبر القوم يجعله اللهُ رفيقي في الجنّة ؟ قال حذيفة: فوَ اللهِ ما قام مِنّا أحدٌ ممّا بنا من الخوف والجهد والجوع، فلمّا لم يَقُم أحد دعاني فلم أجد بُدّاً من إجابته، قلت: لبّيك، قال: اذهَبْ فجِئْني بخبر القوم، ولا تُحْدِثَنّ شيئاً حتّى ترجع.
قال: وأتيتُ القومَ فإذا ريح الله وجنوده يُفعَل بهم ما يُفعَل، ما يَستَمسك لهم بناء ولا يَثبُت لهم نار، ولا يطمئنّ لهم قِدْر، فإنّي كذلك إذ خرج أبو سفيان مِن رَحْله ثمّ قال: يا معشرَ قريش، لينظرْ أحدُكم مَن جَليسُه. قال حذيفة: فبدأتُ بالذي عن يميني فقلت: مَن أنت ؟!
قال: أنا فلان. ثمّ عاد أبو سفيان براحلته فقال: يا معشر قريش، واللهِ ما أنتم بدارِ مُقام، هلك الخُفُّ والحافر، وأخلَفَتْنا بنو قُرَيظة، وهذه الريح لا يَستَمسك لنا معها شيء. ثمّ عجّل فركب راحلته وإنّها لَمعقولة ما حلّ عِقالها إلاّ بعدما ركبها.
قال حذيفة: قلت في نفسي: لو رَمَيتُ عدوَّ الله فقَتَلتُه كنتُ قد صَنَعت شيئاً، فوَتَّرت قوسي ثمّ وضعتُ السهمَ في كَبِد القوس وأنا أريد أن أرميه فأقتلَه، فذكرتُ قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا تُحْدِثنّ شيئاً حتّى ترجع، فحططتُ القوس ثمّ رجعتُ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو يصلّي، فلمّا سمع حسّي فرّج بين رَحْلَيه فدخلتُ تحته، وأرسل علَيّ طائفةً من مَرطه ( إزار خَزّ )، فركع وسجد، ثمّ قال: ما الخبر ؟ فأخبرته (14).
وروى ابن شهرآشوب فيما ورد مِن سَبي الفُرس إلى المدينة، أنّ جماعةً رغبت في بنات الملوك، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام لعمر: تُخيّرهُنّ ولا تُكرههنّ. فأشار أكبرهم إلى تخيير شهربانويه بنت يزدجر، فحجبت وأبت، فقيل لها: أيا كريمةَ قومها، مَن تختارين مِن خُطّابكِ ؟ وهل أنتِ راضية بالبعل ؟ فسكتت، فقال أمير المؤمنين: قد رضِيتْ وبقيَ الاختيار بَعدُ، سكوتُها إقرارها. فأعادوا القول في التخيير، فقالت: لستُ ممّن يَعدِل عن النور الساطع، والشهاب اللامع، الحسين إن كنتُ مخيَّرة، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: لمَن تختارين أن يكون وليَّكِ ؟ فقال: أنت.
فأمر أميرُ المؤمنين عليه السّلام حُذَيفةَ بن اليَمان أن يخطب، فخطب، وزُوِّجتْ من الحسين عليه السّلام.. (15)
ولِمَقامٍ بلَغَه حُذَيفة.. حظيَ أن يُعرَّف ببعض الأسرار، حتّى قال ابن الأثير حين تعرّض للتعريف به في كتابه ( أُسد الغابة في معرفة الصحابة ): إنّه كان صاحبَ سرِّ رسول الله صلّى الله عليه وآله في المنافقين، لم يَعلَمْهم أحدٌ إلاّ حُذَيفة، أعلَمَه بهم رسولُ الله صلّى الله عليه وآله.
وفي بعض بياناته الشريفة.. قال الإمام عليّ عليه السّلام في حذيفة: ذاك امرؤٌ عَلِم أسماءَ المنافقين، إن تسألوه عن حدود الله تجدوه بها عارفاً (16).
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله قد كشف لحذيفة مشهداً رأى فيه المنافقين الذين كانوا يُظهرون الإسلام ويستبطنون الكفر، ويريدون قتل النبيّ صلّى الله عليه وآله والغدر بأهل بيته عليهم السّلام (17).
وبقي حذيفة رضوان الله عليه على بصيرةٍ من أمره، وقد التزم بولاية مَن أمر اللهُ تعالى بالتمسّك بولايتهم، وجابه المنافقين، وحذّر من المارقين والناكثين والقاسطين.. فقال يوماً للناس: لو أُحدّثكم بما سمعتُ من رسول الله صلّى الله عليه وآله لَوَجهتُموني ( وفي نسخة: لَرجمتُموني )، قالوا: سبحانَ الله! نحن نفعل ؟! قال: لو أُحدّثكم أنّ بعض أُمّهاتكم تأتيكم في كتيبةٍ كثيرٍ عددُها، شديدٍ بأسُها، تقاتلكم، صدّقتُم ؟ قالوا: سبحان الله! ومَن يُصدِّق بهذا ؟! قال: تأتيكم أمُّكم ( فلانة ) في كتيبةٍ يسوق بها أعلاجها من حيث تسوء وجوهُكم! (18)
وعن حَبّة العُرَني قال: سمعتُ حُذَيفة قبل أن يُقتلَ عثمان بسنة وهو يقول: كأنّي بأمّكم ( فلانة ) قد سارت يُساق بها على جملٍ وأنتم آخذون بالشَّوى والذَّنَب، معها الأزْد أدخلَهمُ اللهُ النار، وأنصارها بنو ضَبّة جَدّ اللهُ أقدامَهم.
قال: فلمّا كان يوم الجمل وبرز الناس بعضُهم لبعض، نادى منادي أمير المؤمنين عليه السّلام: لا يَبدأنَّ أحدٌ منكم بقتالٍ حتّى آمُرَكم. قالوا: فرَمَوا فينا، فقلنا: يا أمير المؤمنين قد رُمِينا! فقال: كفُّوا. ثمّ رمونا فقتلوا منا، قلنا: يا أمير المؤمنين قد قتلونا! فقال: احملوا على بركة الله. قال: فحمَلْنا عليهم، فأنشب بعضنا في بعضٍ الرماحَ حتّى لو مشى ماشٍ لمشى عليها.
ثمّ نادى منادي عليٍّ عليه السّلام: عليكم بالسيوف. فجعَلْنا نضرب بها البِيض فتنبو لنا، قال: فنادى منادي أمير المؤمنين عليه السّلام: عليكم بالأقدام. قال: فما رأينا يوماً كان أكثرَ قطعِ أقدامٍ منه، قال: فذكرتُ حديث حذيفة: أنصارُها بنو ضبّة جَدَّ اللهُ أقدامهم. فعلمتُ أنّها دعوة مستجابة، ثمّ نادى منادي أمير المؤمنين عليه السّلام: عليكم بالبعير؛ فإنّه شيطان! قال: فعَقَره رجلٌ برمحه، وقطع إحدى يديه رجلٌ آخر فبرك ورغا، وصاحت المرأة صيحة شديدة فولّى الناس منهزمين، فنادى منادي أمير المؤمنين عليه السّلام: لا تُجيزوا على جريح، ولا تتّبعوا مُدْبِراً، ومَن أغلق بابه فهو آمن، ومَن ألقى سلاحه فهو آمن (19).
وأمّا في تذكير حذيفة الناسَ بفضائل أهل البيت عليهم السّلام، فمواقفه كثيرة وشجاعة في هذا الأمر، لم يكن يخاف في الله لومة لائم، وكان مبادراً هو بنفسه للإقرار بإمامة أمير المؤمنين عليه السّلام..
عن أبي راشد قال: لمّا أتى حذيفةُ ببيعة عليٍّ عليه السّلام، ضرب بيده واحدةً على الأخرى وبايع له، وقال: هذه بيعة أمير المؤمنين حقّاً.. (20)
وفي المدائن ـ وكان والياً عليها في زمن عثمان ـ ثبّته أمير المؤمنين عليه السّلام بعد ذلك عليها، فصَعِد حذيفة المنبر فحَمِد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ وآله، ثمّ قال: الحمُد لله الذي أحيا الحقَّ وأمات الباطل، وجاء بالعدل وأدحض الجور وكبت الظالمين. أيّها الناس، إنّما وليُّكمُ اللهُ ورسولُه وأمير المؤمنين حقّاً حقّاً، وخيرُ مَن نعلمه بعد نبيّنا محمّدٍ رسولِ الله، وأولى الناس بالناس، وأحقُّهم بالأمر وأقربُهم إلى الصدق وأرشدُهم إلى العدل، وأهداهم سبيلاً، وأدناهم إلى الله وسيلة، وأمسُّهم برسول الله صلّى الله عليه وآله رَحِماً. أنيبوا إلى طاعةِ أوّل الناس سلماً، وأكثرِهم علماً، وأقصدهم طريقاً، وأسبقهم إيماناً، وأحسنهم يقيناً، وأكثرهم معروفاً، وأقدمهم جهاداً، وأعزِّهم مَقاماً، أخي رسول الله وابنِ عمّه، وأبي الحسن والحسين، وزوج الزهراء البتول سيّدةِ نساء العالمين، فقوموا ـ أيُّها الناس ـ فبايعوا على كتاب الله وسُنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله؛ فإنّ لله في ذلك رضىً ولكم مقنع وصلاح، والسلام.
فقام الناسُ بأجمعهم فبايعوا أميرَ المؤمنين عليه السّلام أحسنَ بيعةٍ وأجمعها.. (21)
وقال يوماً لربيعة بن مالك السعدي: يا ربيعةُ، اسمعْ منّي وعِهْ واحفَظْه وقِه، وبلّغ الناسَ عنّي، إنّي رأيتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وقد أخذ الحسينَ بن علي ووضَعَه على مَنْكِبه وجعل يقي بعقبه وهو يقول: أيُّها الناس، إنّه مِن استكمال حُجّتي على الأشقياء من بعدي التاركين ولايةَ عليّ بن أبي طالب.. ألا وإنّ التاركين ولايةَ عليّ بن أبي طالب هم المارقون مِن ديني.. (22)
وقال لربيعة بن مالك أيضاً: والذي نَفْس حُذَيفة بيده، لو وُضع جميع أعمال أمّة محمّدٍ صلّى الله عليه وآله في كفّة الميزان منذ بعَثَ الله محمّداً صلّى الله عليه وآله إلى يوم الناس هذا، ووُضِع عملُ واحدٍ من أعمال عليٍّ عليه السّلام في الكفّة الأخرى، لرجح على أعمالهم كلّها.
( ثمّ ذكر حذيفة يومَ الخندق وقتلَ عليٍّ عليه السّلام عمرَو بن عبد ودّ العامريّ.. حتّى قال: ) والذي نفس حذيفة بيده، لَعملُه ذلك اليومَ أعظمُ أجراً مِن أعمال أُمّة محمّدٍ صلّى الله عليه وآله إلى هذا اليوم.. وإلى أن تقوم الساعة. ( رواه ابن أبي الحديد في: شرح نهج البلاغة 61:19 ) (23).
وممّا رواه الشيخ الطوسي أنّه لمّا قَدِم الحسين ( وفي نسخةٍ: الحسن ) بن عليّ صلوات الله عليهما، وعمّار بن ياسر رضي الله عنه، يستنفرانِ الناس.. خرج حذيفة رحمه الله وهو مريضٌ مرضَه الذي قُبِض فيه، فخرج يتهادى بين رجلين ( أي يتمايل )، فحرّضَ الناس وحثّهم على اتّباعِ عليٍّ عليه السّلام وطاعتهِ ونُصرته، ثمّ قال:
ألا مَن أراد ـ والذي لا إله غيرهُ ـ أن ينظر إلى أمير المؤمنين حقّاً حقّاً، فينظرْ إلى عليّ بن أبي طالب.. ألا فوازِرُوه واتّبِعوه وانصروه (24).
فعاش حذيفةُ بن اليَمان على بصيرةٍ وهُدى، وقال حقّاً ودعا إلى خيرٍ وصلاح وفلاح، وتُوفّي على الولاية والهداية رضوان الله تعالى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://3lawi.ahlamontada.org
 
حذيفة بن اليمان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع العقيدة العلوية النصيرية :: المنتديات الإسلاميــــة الدينيــة :: منتدى الرجال والشخصيات الأسلامية-
انتقل الى: